لولا سوء الحظ لما كنت مصريا

الأحد، 15 مارس، 2009

عقل أعمى


عقل أعمى

بقلم ياسر عبد العزيز ١٥/ ٣/ ٢٠٠٩

عقل أعمى لم تسعه الدنيا فرحاً وفخراً عندما قذف الصحفى العراقى منتظر الزيدى الرئيس الأمريكى السابق جورج دبليو بوش بالحذاء فى بغداد، فى ديسمبر الماضى، معتبراً أن هذه الحادثة «أفضل ما حدث للعرب منذ عقود»، وأنها «أعادت العزة والكرامة للأمة العربية»، وأنها لم تأت «سوى من بطل عروبى حقيقى يجب أن تلتف الأمة حوله».

عقل أعمى ملأ الصحف والفضائيات والشوارع والنقابات تهليلاً وضجيجاً فرحاً واعتزازاً بـ»الفتح الكبير»، وألف الأشعار والأغانى فى مديح «بطل الزمان»، ونقّب فى سيرته مستدعياً، أو مُدعياً، مَوَاطن البطولة والفداء، أو عرض التبرع له بالملايين، وشراء حذائه «الرمز» بمئات الآلاف، وتزويجه من بنات الناس، والدفاع عنه «حتى الموت» فى ساحات الكرامة والمحاكم والشوارع على امتداد المدن العربية.

عقل أعمى أعاد الخلافة العثمانية إلى مجدها الغابر، وطالب بتنصيب رجب طيب أردوجان خليفة للمسلمين؛ إذ انتفض معترضاً على الرئيس الإسرائيلى شمعون بيريز فى جلسة حوارية بمنتدى دافوس، وغادر المكان ثائراً لأن الفرصة التى مُنحت له لم تكن عادلة للتعبير عن رأيه المناهض والمدين للعدوان الإسرائيلى على غزة.

عقل أعمى نظم تظاهرات حاشدة فى انتظار الزعيم الملهم، معتبراً أنه أعاد أمجاد الأمة الإسلامية، ومقتنعاً بأن زمن الاستعلاء الإسرائيلى ولّى وراح، وأن «جيش محمد سوف يعود»، ليحرر الأرض العربية الإسلامية السليبة، على أيدى المسلمين الأتراك الأبرار.

عقل أعمى اعتبر أن إيران ذخر وظهير رئيس للأمة العربية، وأنها قادرة وعازمة على تحرير القدس، وتوحيد الأمة تحت راية الإسلام، ودحر إسرائيل وحرق نصفها على الأقل، وإيقاف الملاحة فى الخليج، وإنقاذ لبنان، وتحرير الجولان السورى، ورفع رأس الأمة الإسلامية أمام الغرب الشيطانى المستكبر.

عقل أعمى هلّل لمغامرة «حزب الله» اللبنانى حين خطف الجنديين، واعتبره منتصراً فى العدوان الذى شنته إسرائيل على لبنان فى يوليو ٢٠٠٦، ورأى فيه الأمل الوحيد الباقى لتحقيق انتصار حقيقى على العدو الصهيونى، واعتبره سيف الأمة ودرعها، وبارقة العزة والنصر الوحيدة فى صحراء الهزائم والخنوع والاستسلام.

عقل أعمى هلل لصواريخ «حماس» ضد المدن الإسرائيلية، واعتبر أن إسرائيل بيتت لعدوانها بصرف النظر عن إطلاق تلك الصواريخ، وشدد على حق «حماس» فى إطلاق الصواريخ فى كل الأوقات، ومهما كانت النتائج والعواقب، وهاجم «فتح» لـ»استسلامها وانهزامها ومهادنتها للأعداء»، وانتقد مصر لـ«تواطئها» ضد الفلسطينيين، و«محاولتها تركيعهم» أمام العدو الصهيونى المجرم.

عقل أعمى صدّق أن قطر هى قطب السياسة الشرق أوسطية الجديدة، و«رمانة ميزان» هذا الإقليم، والفاعل الأكبر فيه، والمحرض والمحامى والخبير والمدافع الأكبر عن حقوق الأمة وبقائها.

عقل أعمى لم يعرف أن منتظر الزيدى حُكم عليه بالسجن ثلاث سنوات، فى جلسة لم يحضرها سوى أفراد قلائل من عائلته وأصدقائه، ولم ينشر عنها سوى أخبار قصيرة فى صحف وشاشات محدودة، وأن الشعراء والمغنين والمتبرعين والفتيات الراغبات والناشطين السياسيين والمناضلين الأمميين ومعلقى الفضائيات، كلهم غابوا عن الحدث، واكتفى بعض الجمهور المتذكر لما حدث بإرسال تعليق صغير فى ذيل الخبر المنشور: «لا تحزن، كلها ثلاث سنوات وتخرج يا بطل».

عقل أعمى لم يعرف أن الدولتين التركية والإسرائيلية خرجتا من أزمة «أردوجان_ بيريز» بتأكيدات أكبر على ضرورة التحالف والتعاون الاستراتيجى، وأن ما حدث بينهما لم يكن سوى حادث عابر لا يُعوّل عليه، وأن السفير التركى فى تل أبيب قال لـ«هاآرتس» قبل يومين: «فى هذا الجزء من العالم ليس هناك أقرب لإسرائيل من تركيا».

عقل أعمى لم يعرف أن إيران تحتل جزراً إماراتية، وتطالب بـ«السيادة على البحرين باعتبارها محافظة إيرانية»، ولا يعرف أن قطر تستضيف أكبر قاعدة أمريكية فى المنطقة، وتقيم أفضل العلاقات مع تل أبيب فى السر والعلن.

عقل أعمى لم يدرك أن «حزب الله» عاد واعترف بأنه لو كان يدرك ما ستخلفه واقعة خطف الجنديين ما أقدم عليها، وأنه تنصل من قصف إسرائيل بصواريخ انطلقت من جنوب لبنان أثناء العدوان على غزة. ولم يفهم أن «حماس» تخوض مفاوضات مهمة مع «فتح» فى القاهرة الآن برعاية مصرية، وأن استعادة لُحمة الصف الفلسطينى هى الأمل الوحيد الباقى لإنقاذ القضية الفلسطينية من التبدد عبر عبث العابثين، ولم يسمع أن «حماس» تبرأت من إطلاق صواريخ على بلدات إسرائيلية نهاية الأسبوع الماضى، وأنها توعدت من يطلقها بالتصدى له.

عقل أعمى لا يرى الأمور كما هى، بل يحرفها ويضخمها أو يشوهها ويبخسها حقها، واقعاً تحت سطوة مضللين ومغرضين ذوى نفاذ إلى الإعلام الرائج والوجدان الضيق. عقل أعمى.. عقل مَنْ؟

0 التعليقات: